………يبتعد …يتواري …صمت …غيوم تنقشع …وضوح نسبي في الخطة …سأرتدي ملابسي واذهب …يجب ان يبدو التوتر علي عندما اقابلها …يجب ان اكون صارما لتفهم ان الدورة هي الامر الحاسم لكل ما بيننا ولن اوضح لها شيئا …لان الامور ليست بحاجة الى توضيح …كل شيء واضح كعين الشمس …أما اذا كانت تستهبل …فليس عليّ انا …وان كانت غبية فإلى الجحيم ……يجفف جسمه بالمنشفة تضايقه رائحتها …يبعدها …يقذفها بعيدا نحو السرير …ويتوجه الى المغسلة …المرآة …ينفل شعره وينشفه بأصابع يده …يعود ليرتدي قميصه المقلم ثم بنطلونه الجينز …..يدخل الزر في العروة فوق السحاب …يمرر يديه على فخذيه من الامام ومن الخلف …يتجه الى النافذة …السفر جميل بلا شك …ودوافعه لديك قوية …لكن ان تنتزع من المكان انتزاعا فهذا من القسوة بمكان …من الذي ينتزعك …؟؟ لماذا ينتابك هذا الاحساس الجازم ؟؟ ترى ذلك ولا تدري السبب …او ربما تدريه …أهو السفر ؟؟ تحلم بسفرة واحدة والى الابد …ولكن الى فلسطين …جنة الارض …طريق السماء …امتحان الخلد …حلم اصبح جزءا منك .؟…فاذا ابتعدت عنه تغرق في الحنين …ثمة افكار جميلة كنت استذكرها …
ماذا ؟؟!……………
آه …كان لي ان اشهد انقاض الدامور والنبطية وصور وصيدا …وتفاصيل الجنوب …ان اشهد على المفارقة …نزلنا من البوريفاج …فندق فاخر …الله الله …وفي الطابق السابع تحديدا …المشهد من الشرفة جزء من الجنة …يشرح الصدر ..والهواء ينعش القلب …لطيف جدا …الصبايا الحور في المايوهات تتمغط حول بركة السباحة ..فتشلع القلب …في الدامور …سألت عجوزا عن اهم ما رأى فقال : شهيدا ظل يمشي …يقاتل مغسولا بدمائه …بعد ان تخردق جسده بالرصاص …الى ان سقط …مسافة كبيرة ظل يسير بعد ان دخل الرصاص جسده …في الشياح ..شباب يعرضون لوحات فنية لكنهم يحاولون نيل اي تشجيع او مفتاح لطريق يفضي الى ابواب طموحاتهم …في ازقة المخيمات …حياة تقاوم العدم بنفس اخير …الاطفال يلعبون بالقذائف التي افرغت حامض بطنها فوق رؤوسهم …لم اصدق حدة المفارقة …اين هذا من اجواء الفندق …اين هذا من اجواء مكاتب الثوار الكسبة : سلالم من رخام تنزل تحت …نحو جدران رخامية تحيط بمكاتب فخمة حد الغيظ …كراسي مخملية هزازة ناعمة تشبه العروش …يترهل عليها القياديون الاشاوس …هواء بارد ومقاعد جلدية فاخرة للضيوف …حيث جلسنا بعد الترحيب الحار ….قريبين من عناصر قيادية في طريق النضال …تتعالى ضحكاتنا …ثم جاؤو بشخصية بديعة …هو مقاتل اصابت يده شظية فربطها بالخرق البيضاء واستمر يمتهن القتال او اللاشيء في بيروت …خفيف الظل سريع البديهة يتكلم فيضحكون …تساعد صراحته سرعة بديهته …تحدث عن تفاصيل الاصابة وملابساتها واجاب عن الاسئلةوالملاحظات فأحسست بالتبجح والمزايدة حتى قلت له :
- هل تسمح لي بسؤال من فضلك ؟؟
قال بترحيب شديد :
- تفضل
قلت :
-ماذا تتمنى لابنك ان يكون في المستقبل ؟؟
قال بتردد شديد:
- (( والل…لله …مادا كسرة الهاء …مانحا نفسه فرصى التفكير …ازا طلع شاطر ..بيدخل الجامعة …وتردد ثانية ثم آيس : وازا طلع حمار ! بدو يكون فدائي …)) وغطى حديثه بضحكة عالية كصهيل حصان …فتجاوب الجميع وقهقه عاليا ….
أما انا فقد نال مني الالم اذ وضعت يدي على احد القروح المتورمة ..ولم يكن بوسع رئيس الوفد الا ان يكظم غيظه …فليس من حقي ان اسال !!هذا ما قاله لي بعد ان خرجنا من هناك …
- سؤالك ابعدنا عن الموضوع …قال لي
- السنا نبحث عن الحقيقة ! ها هي …فلماذا لا نظهرها كما هي …؟؟ الى متى تريدون ان تبقى اجوبة الشعب على اسئلتكم مفصلة على مقاسات مقاعدكم ومراكزكم والقابكم واغراضكم ؟؟الى متى سنظل ندير وجوهنا عن الحقيقة او صورتها ؟؟ الى متى سنظل ندفن رؤوسنا بالرمل فنرى الهزائم انتصارات …
- هووووووووووه …صرخ ومضى …
-اعلم ان ذلك ما كان منطلقه الاول واجزم انه كان بطلا …ولكنهم اوصلوه الى هذا الموقع …أما افتتنتم بصراحته !فلماذا لا تنقلون هذا الافتتان الى مشاهد العمل المسرحي الذي كان سبب زيارتنا لبيروت …!! خوفا من يصبح بطلا فتضيع منكم بطولاتكم !……
يا الله …كيف يفهمني من صحوت عليه في الغرفة ليلة امس يمد يده الى هذا الصندوق الخشبي الذي لا ادري بالضبط ماذا يسمونه …الكوميدينو؟؟ يعلث بأغراضي الخاصة ….اوراقي واسراري …فيعثر على دفتر ملاحظاتي ويقرأ ما به من ملاحظات واسرار …وعندما شعرت بذلك …تململت لانهض وارى الذي يجري …فأعاده بيد خفيفة كيد نشال الة مكانه موحيا بأن ليس معه خبر …كيف يفهمني ؟؟….
في الجنوب رأينا المستحيل : اليهود على مرمى النظر ..قريبون جدا وهنا تقف مجموعة من الشباب وثمة عدد قليل من الاسلحة الخفيفة والمتوسطة …يقلقك السؤال حتى ترميه عليهم :
- فيما لو اراد اليهود الدخول الى هنا فما الذي يمنعهم ؟
بسرعة ويقين اجاب واحد من الشباب :
- لا شيء …أردف آخر :
-ولكننا لن نخلي مواقعنا …سنعمل ما يمكننا عمله …لا يمكن ان لا نعمل شيئا …مهما كان من امر الحقيقة …لا …لا يمكن ان نغادر …انه الواقع الذي لا مفر منه ..
- العدو امامكم والبحر وراءكم !
-نعم هكذا بالضبط …
في صور يتحدث القادة عن الانتصارات …في صبرا …اشتهي الطفولة مع الاطفال الذين يروون لنا قصص النضال الغريبة …الواقعية / الخيالية …ارى الاساطير تتجسد ..والعن القيادات وجميع اولاد القحبة الذين لم يجيبوا على سؤال النّواب …
ورغم الحمراء ومحلات النيفوتيه التي اشتريت منها الجينز وغيره ..ورغم اللهجة الناعمة للبائعات هناك الا انني خرجت من لبنان ..وفيّ صدى الاغنيات التي كان ينشدها الاطفال في صبرا …ومرايا اللوحات التي شاهدتها هناك ………..تأخرت .
يضرب لا شعوريا يده بالجدار وينفض رأسه مرة اخرى ليتناسق الشعر …فتسقط الافكار …يتسرب الالم …يبصق بحقد في المرآة …يبتعد .. يبحث عن جورب يرتديه ..يجد واحدا نظيفا …يدخل فيه ..يذهب للحذاء الفاتح فمه …فيدس قدمه في فيه …
يلملم بعض الاوراق ..
يتجه نحو الباب بسرعة ..يمسكه بيده ويستدير للخلف …احس انني لابد نسيت شيئا ..لا اتذكر : إن ثمة شيئا فالمسافة قريبة …يغلق الباب …ويأخذ المفتاح ثم ينزل …تنزل الجدران معه ..تقترب ..تبتعد …يأتي الدرج ..ينطوي تحت قدميه كالبساط … الشارع الفرعي
النور هنا اكثر ضياء..ولكن لا مجال في نفوسنا للاستمتاع ببهجة النهار الجديد …هموم تعمي البصر …الشارع الرئيسي …السيرات المسعورة ..الحافلات سلاحف …يقطع الشارع …تواجهه مكتبة …تقع عينه على بعض العناوين : اصل الانواع …لامذكرات …عندي …المرأة في الثورة …ملحمة جلجامش …تاريخ فلسطين الحيث …السينما الفلسطينية …اجاثا كريستي ….نجيب محفوظ ..كتب قيمة …ثروة ..يتحرك…يتابع السير …المقهى الهاديء العريق …هنا يمكن للمرء ان يشرب القهوة كما تعودها …وهنا يمكن للمرء ان يصطحب صديقته …لكن بالنسبة اليها ما كان في ذلك مشكلة …فكم رافقتني الجلوس في مقاه شعبية جدا …دون ان يكون في المكان من انثى غيرها …حتى في عز الليل كان يحصل …وهذا ما زاد من تعلقي بها …لكنها كانت غريبة يوم امس …فلأشرب من البحر …الم اشرب من البحر …شربته بعدها حتى انطرحت …وهذا التيبس رغم الحمام ورغم النشاط الاجباري إن هو الا من نتائج شرب البحر …الامس خمر واليوم أمر …سنرى كيف لهذا اليوم ان ينتهي …(( اللص والكلاب )) علامة في السينما العربية …لا عجب ..فهي قصة نجيب محفوظ وتمثيل شكري سرحان …بدّع ..خصوصا عندما لفظ كلمة : لكلاب ! مشيرا برأسه اليهم …بتورية اظهرت مرماها الحقيقي …لكنها دار سينما رديئة …تشوه الجميل …ولا تهتم الا بابتزاز البسطاء …شعبية …تعودنا! …نسمي كل ما هو ردئ ورخيص وناقص ومغشوش شعبيا …ونغني للثورات الشعبية …شكري سرحان يؤدي بجدارة …القصة انعكاس فني ناضج للصراع الخفي …وطاقة رمزية عالية تمنح الكلمات معناها الحقيقي …إطار نظارات جميل , لكن هذا المحل غال …اللص ,الكلاب …لا تقف عند السطح …اذهب الى الاعماق لتكشف ما وراء الكلمات …البنية العميقة للكلمات …فالجمل ….هم الكلاب …هو الانسان …
طريق الجسر ….يتقاطع الناس على الجسر …يتداخلون وينفصلون كما لوكانوا جمادات تتحرك …كواكب سيارة …الاصل ان لا تبدي انفعالا …تجاه اي شخص .الا اذا كان ثمة معرفة …بروتوكول الحياة المعاصرة …في زمن البراءة كان الناس في البلاد يستعدون للتعرف على كل من يمر بهم …يصادقونه طالما انه انسان …يحملون همه ويبتهجون لفرحه …أما من صيغة تقرب الناس المتقاطعين عبر الطريق اكثر ؟؟لتعيدهم الى انسانيتهم ..القرى تنبض بالانسانية بينما المدن تلهث في السباق الحضاري … دون ان تعرف متى تصل ..يتسابقون مسافات طويلة ..طويلة جدا …مسافات الحياة …لينالوا وقودهم …طاقة تشغيلهم …ليرقصوا على ارواحهم : انهم يقتلون الجياد اليس كذلك ؟؟؟ بلى , طاقات رهيبة تهدر ..كامنة كما الكهرباء قبل اديسون ..كما الارض العربية الخصبة غير المستثمرة ليظل القمح يأتي من امريكا …يلبسون سموكن وربطات عنق …يلبسن كما في الغرب …آخر الموضات …الصرعات …قوالب مصممة بمقاييس الغرب مانيكانات …ثبتت الصيغ المقبولة لمخاطبة الاخر / النقيض ..قسّم الوقت لكي لا يظل الا هامش بسيط للطقس الانساني …..طاقة محتقنة كدمل …نوع آخر …الأهم : اجتماعي ,طاقة اجتماعية مذهلة يمكن ان تنفجر فتفجر ابداعا وفرحا …وتضع حدا لهذا الكبت وهذا الحزن المعتق وهذه الغربة الطويلة …ولكن كيف ؟؟
مادام هذا الطيب يعرفني وقد نسيت من هو …يتواصل معي وانا سابح بأفكاري أبحث عنه …فأبدو اليه كالمترفع …
- شكرا فرصة ثانية
- ؟؟
يمد يده :
- طيب مع السلامة خلينا نشوفك …
ثقة عالية بالمعرفة تعفيه من تقديم نفسه وتذكيري بشخصيته ..معرفة قوية هي اذا ؟؟! لو استفسرت سيكون احراجا …وهو لم يلاحظ قلقي …تمكنت من تمويه النسيان …سأعرف فيما بعد …ولكن , ماذا لو كان مطلوبا مني تصرف افضل ..وحوار اعمق .باتجاه ما له خصوصية بيننا .؟؟! واسئلة اخرى كاستفسارات عن معارف مشتركين مثلا …؟؟
انا عارف ؟!
يسير قليلا حاملا صورتها مفكرا بما جرى وبالذي سوف يجري..يقف لينظر للخلف …لا تظهر في المدى المنظور …هل صارت هناك ؟؟ أم أنها لم تأت بعد ؟؟ أغلب الظن أنها لم تأت بعد …
يواصل السير .. كانت تبدي اتزانا رهيبا وتجاوبا مع حريتها شديدا ….قلب كبير كانت …حكيت لها قصة سليم …الصديق الوفي الذي ما أن رآني اتعذب في حيرتي تجاه فتاة بدأ حبها يغزو قلبي حتى نصحني يقطع العلاقة فأريح بالي ..((اقطعه حصرما )) قال سليم …لماذا ؟؟هل تعلمين لماذا ؟؟ ليرتب اموره قيقطفها عنبا ناضجا شهيا …وقد حصل ذلك فعلا ..ولم افكر بذلك قط …ما دارت لي قط …لأنني ما اخذت بنصيحته إلا بحسن النية …ولم اعرف مما كان يرسم عليه شيئل على الاطلاق …الا عندما دعاني لقراءة فاتحتها في اتحاد الطلاب …حتى سقط قلبي في قدمي ظانا لوهلة أنها ماتت …فقبضت على ذراعه مفجوعا ..لكن ملامحه المبتهجة غيرتني …وادركت كل شيء : قال : سنكتب الكتاب عصر اليوم ….هكذا نجح في التدبير : فاتحها بالزواج اول مرة …فقالت له / هل اخبرت كنعان ؟؟ فقال لا …فقالت قبل اعطائه جوابا : أخبره …ولم يخبرني الا بعد ان مضى وقت طويل …كنت بذلك قد قطعته حصرما ورميته …أغاظني كثيرا حس المخاتلة والتآمر من اقرب صديق إلي ..لزمتني الصرخة التاريخية : (( حتى انت يا بروتس )) …
رويت الحكاية لها عرضا قتورطت …صارت تحلل كل حديث يدور حول هذا الموضوع …وان مررت على ذكره عرضا …انني ما زلت احبها …حتى اتعبتني ..آه كم اتعبتني …هنا حضرنا معا (( الجندي الازرق )) اثرت بها شخية البطلة في الفيلم بجانبها الانساني والانثوي : ثمة تفاصيل تخص المرأة لا تدرك اهميتها الا المرأة …قال واوضحت : هل رأيت كيف يمكن للمرأة ان تهتم بأمورها الخاصة حتى في الظروف الصعبة …وتعمل بفكرة بسيطة من خرقة حمراء مستطيلة بعد ان تثقبها من وسطها لتدخل رأسها وتجعلها تنسدل على جسمها رداءا مريحا ثم تربط وسطها بشريط قماش /زنار ..فإذا هي عارضة ازياء تنافس نينا ريتشي …قرنفلة …ركزت كثيرا على هذا المشهد بينما احتل ذهني مشهد البطلة وهي تحمل الطفل وتبكي فوق الدمار …ثم جنون البطل الغريب … الجندي الازرق …ناهيك عن مشاهد الخراب التي ابدعها الاميركيون للقضاء على الهنود الحمر …
هنا اكلنا وتحدثنا عن الحب …في هذا المقهى الشعبي شربنا الشاي واقفين …وهي معنا الفتاة الوحيدة بينما لا تجرؤ اي فتاة على الاقتراب من كهذا بين الرجال …
- مواقف الرجال تتغير بتغير مواقف النساء …قالت بعد ان زارتني في السكن مرة ولم تجدني فانتظرتني في الندوة ( حجرة الاستقبال ) التي يكتظ بها النزلاء الرجال / الشبيحة ..بلا نساء عادة …بلا جنس لطيف …فيظل الجو خاليا مما يلطفه …ويعبر الشباب عن كبتهم بوسائل شتى : التهريج والالفاظ الاباحية ..التحديق بكل من يدخل ويخرج علّ العيون تقع على وجه فاتن …او ساق مغرية او صدر مثير ..فتتحرك داخلهم المياه الآسنة …ويلمسون بوجدانهم ملامح الجمال ..وتهر في المدى زهرة تفاؤل …وقالت :
- عندما سألت عنك ولم اجدك قال لي الشاب الذي يقف خلف الكاونتر : سيأتي بعد قليل …ثم قال بخبث : تفضلي يمكنك انتظاره اذا احببت ! وكلن الشباب في الندوة يبصبصون بعيون فضولية جدا وربما تغامزو فيما بينهم بغرض ارسال شيفرات المعاكسة ..ولكني سلمت عليهم ببساطة ودخلت …
يقطع الشارع بينما هو مستغرق .:
…فغيروا من طريقة جلوسهم …وحسنوا ملامحهم …وهذبوا الفاظهم …وسألتهم عما ورد في التلفزيون قبل قليل ولم انتبه له !…فأجابوني بأدب جم …وتابعت الحديث معهم انطلاقا من هذه الفاتحة …فالرجال يهاجمون النساء طالما كان هناك حواجز …وهذا طبيعي فالمرأة بالنسبة اليهم بهذه الحال كائن غامض …طرف آخر …بعيد …يرفضهم …ويشكل عندهم عقدة …
هكذا كانت تقول دائما …
-… أما عندما تكون المرأة صديقة للرجل فمن التناقض ان يعاكسها …إذ يزول السبب …عندما تكون قريبة يستطيع ان يقول لها ما يريد دون مواربة …وتستطيع ان تبدي رايها بصراحة ووضوح …يمكنه ان لم يكن ثمة شيء ضروري للحديث سوى الافتتان بها ان يغازلها او يعبر لها عن اعجابه …وعند ذلك تنتهي الازمة …
هكذا كانت تقول دائما …ولكن ….ينسحب وجهها للخلف …يبتعد …الاستعلامات …يدخل يسلم على الشباب ويتابع سيره …تعود بكاملها الى وعيه ….يوجه نظرة الى الكافتيريا …:
…يجب ان لا اسأل عنها مباشرة ..بل سأمر كانني اريد ان اشرب شيئا …فإن كانت هناك تصنعت تجاهلها …وان لم تكن اذهب لانهي بعض الامور المتعلقة بسفري …مواربة …نعم …لكنها هي التي اقامت الحواجز يوم امس ….هي المسؤولة عن ذلك …وما علي الا ان اتتحمل مسؤوليتي اتجاه الفلسطيني القادم الذي قررنا حمايته باي ثمن بعد ان ذبحوه في كل مكان …في اليونان …في فلسطين ..في لبنان…الخ .
الكافتيريا على بعد خطوة …شفافية الزجاج رائعة من وقت آخر …وقت تأمل بلا توتر …يعبر متعاكسا مع اخرين يخرجون …يتعالى فجاة ضجيج : هرج ومرج ..اصوت : مذياع ومناداة …يمسح المكان عينيه …لا ليست هنا …قد تكون جاءت وذهبت الى قسمهم …لن اتصل بها …يسلم على بضعة زملاء بالكافتيريا …مجاملات بمستويات مختلفة حسب العلاقة …يسأل عن شخص غير موجود ليبرر عودته الى الكافتيريا …..في الممر ايضا يعمل في رد التحيات او الرد عليها …يذهب الى القسم …ربما تكون قد اتت …الافضل ان اصادفها في الممر قبل ان تصعد الى قسمها …وياخذني الوقت …سأفجر لها الدمل وامضي …..
ينظر من نوافذ الممر …يلمحها قادمة عبر الطريق …يسرع الخطى …ينزل السلم …يمر عبر الواجهات الزجاجية …ثم يخرج الى الساحة …يلمحها …ها هي ..بلحمها وشحمها …قادمة بكامل اناقتها كما في كل صباح..لكني في هذا الصباح مكشوف البصيرة ..فأميز بين الزيف والحقيقة …بين القناع الجميل والجمال الحقيقي …ها هي تقترب …لن اقول صباح الخير …
تقول :
- صباح الخير .
أي خير ؟! يا الهي …تبادر بالتحية وتبتسم كالعادة ..وكأن شيئا لم يكن …
يردح لها بهمس وتكليف :
- لم التكليف ! لست بحاجة لان تقولي صباح الخير …قولي فقط ان كانت الدورة اتت ام لا ؟
- لا …الدورة لم تأت…ولكنك منفعل بطريقة غريبة ….ما الامر ؟ ما بك ؟
يتوغل في الردح :
-غاااااااريييييييب ؟! وتستهجني امري !هذا والله عجيب ..على كل حال …ورغم حواسي فإنه ليس امامي الا افتراض حسن النية…فإذا اردت البحث في مشكلتنا ..فأنا في الكافتيريا انتظر
- حسنا …ساصل القسم واعود …
انشطرا باتجاهين وسال دم كثير ….
*****************************************
قال لها :
- يكفي …لا اعتقد انه ظل بيننا شيء سوى ان تأتي الدورة او يأتي الجنين …فأعرف رأسي من قدمي …وما علي سوى ان اعلن الان هنا …عن استعدادي الكامل لتحمل مسؤولية خطيئتي …
تتناوب على صفحة وجهها الوان الطيف …: احمر ابيض ..اصفر يخطف …ازرق يذوب …الجزء المكشوف من صدرها يشق الظلام كشمعة محايدة …ابيض كخد الورد …يسقط نظرة على الجزء الفاصل بين النهدين …لكنه يعمد لأن يشتته عن كل عوامل الاغراء …قالت :
- خطيئتك …؟! تنهدت …ثم تابعت :
….هي مشكلتي على اية حال …وهذا فقط ما يؤلمني عندما افكر في الفارق بين الرجل والمرأة … الفارق البيولوجي …اطمئن …لن تتحمل اية مسؤولية …ولن تعاقب على خطيئتك …انا اتحمل مسؤوليتي اتجاه عواطفي ومشاعري واجتهادي وتصرفاتي كما تجاه جنسي ونوعي وجسدي …وبالتالي ما يولد مني فهو مني واليّ وعليّ تقع كامل المسؤولية فأرح بالك ….لكن الذي يثير فضولي بشكل كبير هو امرك هذا …قلي لي بالله عليك …ما الذي جرى لك حتى صرت بهذا الانفعال وهذا المنظر ؟؟؟؟
- عندما كان شيء ما يثيرك او يزعجك …ما كنت لتعطي فرصة للحديث …ولا تلمحي باي شيء …بانفعال او بغير انفعال …فيكبر اللغز عندي …وكان كل ما تتكرمين به لإظهار تأثرك مما لا اعلم ما هو : هو ان تحرميني من! ..من !…من تحيتك ….حتى صباح الخير ما كنت تقولينها …وتقاطعين بغموض سادي ….
قالت بمسايرة وتعقل شديد :
- فإذا كنت غبية لحظة او بضع لحظات …أفلا ينبغي ان تكون انضج مني ولو قليلا …فلا تتصرف برد الفعل او بالمثل حين ترى انني كنت بذلك اخطئ فلا تقع بالخطأ ….أو ليس من الافضل ان تتصرف دون الرجوع الى تصرفاتي التي اعترفت لك اكثر من مرة انها سخيفة …! ماذا تريد اكثر من ذلك ؟
- لا اريد شيئا …اريد فقط ان ابلغك انني قررت الان بعد ان علمت ان امر الدورة ظل غامضا …ان أؤجل سفري ريثما تظهر اي نتيجة …
قالت مقاطعة :
- لا يا سيدي …تستطيع ان تسافر ,….فانا ما تصرفت شيئا الا بإرادتي وقناعتي التامة ….وقد كان حبا …فإذا تبينت وهمه ,…وصرت تراه خطيئة ..فأنا على قدر المسؤولية …وعليّوحدي تقع …قاطعها بحدة :
مسؤوليتي ! مسؤوليتي ! هل تودين اصابتي بالضرب على هذا الوتر ؟! نقطة ضعفي ! لن تؤثري عليّ بهذا الترفع …هل فهمت ؟
- ……….
-هل تصرين على ما تقولين …اذا استنفذت التفكير ؟
قالت بتماسك شديد وكبرياء محترم :
- نعم …بكل تاكيد
- إذا وداعا …قال ونهض ليغادر الكافتيريا اللعينة …تلاحق عينيه ضربات فرشاة لفنان مجنون غمسها باللون الرمادي …ومسح بها الكون …ومسخ بها الكون ….
فرح الخناشير / الشبيحة …آه ابو الشباب…! كانوا يترصدون فرصة تلوح لتبتعد فيحتلو مكانك …ركضوا بخطى بطيئة لكي لا يلفتوا الانتباه الى طيشهم …سيتحدثون …لا بد …عن التحرر …ذوي العيون الجائعة دوما ولا تشبع …متصنعين الوعي والثقافة …بينما يزرعون نظراتهم في الاخدود الخصب الذي يفصل بين نهدين بضين وسوف …لا بد …يحلمون بالليل الاحمر …وسوف تحلم هي بالدموع التي تلح عليها لتنزل …لكنها تحبسها حيث لا بد ان تتصنع الفرح والابتسام ..ولن يحس بها احد …وسوف تتيبس دموعها ..او تظل بانتظار الفرصة العظيمة للانهمار …لكن الارض لن تتمكن من حمل ألمها عند ذلك ……
لكني رغم ذلك ..ومهما كلف الامر لن اكون الباديء في استعادة العلاقة …او حتى المبادر في اقتراح حوار تفاهم …مادام ردها كان كذلك …لكنها لا بد وان تتصل …حتما ………
يسير بانفعال …يبدو ان الناس لا يعرفون ان القيامة قد قامت …لا يرى الا سوادا …
وصل الى السكن …
- هل سال عني احد ؟؟
اجابه الحارس بأن لا …فقال :
- الم يطلبني احد بالهاتف ؟؟
فقال بإصرار :
- لااااااااا
صعد السلم ..لماذا اتصرف كما لو كنت اغادر للابد ؟؟ثم عاد …يفكر …يقترب من الهاتف ..ثم يبتعد …ثم يقترب …
………………………
…………………..
- الو ….
سمع صوتها متحشرجا …متماسكا …حزينا …مخذولا …مرهقا …
-أأأأأ…نعم ؟!…
-…هل ترغبين بمعرفة سبب توتري الشديد …على افتراض انك حائرة فعلا …وانك تجهلين ما بدر عن حسن نية او عن سوئها ..؟؟ هل تودين رؤية صورتك بالمرآة ؟؟
قالت :
- لا ..لا اعتقد ان هناك ضرورة لشيء فقد باتت الامور واضحة بما فيه الكفاية …مع السلامة ..تك
صفعة اخرى ..صحتان وعافية …فأنت تستأهل كل خير …
وفوق ذلك …تنهين المكالمة من جانبك …حسنا ..اللهم اشهد ..مع السلامة …وضع السماعة وتاه في المدينة العريقة..يلملم ما تبقى له من زاد السفر …يدور في فلكها وحيدا وحيدا …
اي شي ظل عليه ان لا ينساه ؟ اي شيء ظل عليه ان يأخذه قبل ان يغادر مدينة الحزن ؟؟عليه ان يوسع ذاكرته لتستوعب اشعارا غير صالحة للنشر وقصصا مستحيلة ..وطعم القبل ..هذا يكفي .
هل اقول وداعا ؟؟ وهذه الفتاة ربة العشق والحيرة …ماذا يدور باحشائها …؟؟ لمذا تمد الليالي وتضخم اللغز ؟؟ ليستهلكنا الوقت …لماذا ؟ ..لتغلب شهرزاد ؟؟ ان كيدكن عظيم …وانت مسكين …مسكين يا شهريار …حيلة صغيرة انطلت عليك …انه لغز الوقت …الوقت مادة اساسية في مركب الحياة والموت …كل النساء …استعراض للوجوه التي يعرفها …يتألق بينها وجه اميرة …كل النساء …يطفحن بالخبث ويبدعن زرع القلق في رؤوس الرجال …وجه مريم …كلهن …حتى هذه المثقفة جدا ..قارئة ( الجحيم ) يجب عليها هي ان تقرأ الجحيم ..حتى تعتبر .. يجب ان تقرأ الجحيم ..ظلت تلح علي …لانها وجدت موقفا يعري حقيقة الرجل ببعد الواحد : ظل يقول لها انت كل شيء …انت كل شيء …وخصوصا عندما كان يرتجف بحضنها …كان يقول لها بإيمان حقيقي …انت كل شيء ولكنه قال لها بعد ان انتهى من شيء ..انت لا شيء ..يجب ان تقرأها ..سأوفر لك نسخة ..الا اميرة ؟؟اميرة ..حبي انا ؟؟ ابة افراح منحتها لقلبه الحزين …أية ارتعاشات وهبتها قبلاتها لزهرة عمره الذابلة فأنعشتها …في الطرق الطويلة والحدائق العامة …في الشمس الثقيلة كالصخر وفي حجرة الطين المهترئة تلك ! ولكن كان لابد لكل شيء ان ينتهي …فلينته …ولكن ..الا من وداع ؟؟
- اميرة …حبي انا ” آه لو رايت هذا الفلم يا كنعان …قصتنا هي التي يحكيها بالزبط …وحياة عيونك بالزبط …وكأنك انت الذي كتبها …تسكن عند خاطر يأتيها بغتة …(( ..ليكون انت اللي كاتب القصة ! مو بعيدة والله …ها ؟ والله لوقلت انك انت لصدقتك ))
- يمكن …! ولكن فيلمنا ما انتهى بعد حتى نصوره للسينما …صح ؟
- غلط …لانه لا ينقصك الخيال فتؤلف ما تبقى من قصتنا ..ولكنك تنكر …ولكن …معقول ؟؟ الى هذا الحد ؟
ألا من وداع ؟ قبلة …اشارة باليد …كلمة عبر الخيط الرفيع …ماذا لو ركزت بدرجة عالية …هل اصل اليها عبر الطاقة المفترضة التي كنا نتحدث فيها كثيرا …الي اومن بوجودها كثيرا …لنأخذ الاولويات …مم يتكون الانسان …من مادة ؟؟ أم من ذاكرة وقلب ؟؟ شيء ما في الانسان الهي …جعله يخلق الاله …ويتجاوز المادة حتى في قمة وعيه لها …حتى في ديكارت …حتى في نيتشة ..حيوان جميل ..اجمل من الغزال …اجمل من الحجل …شيء ما هو لا مادي ولا مثالي بالمفهوم الفلسفي …ولا حتى طاقة …شيء ما يجعل هيجل يقول (( أن اسخف فكرة تمر بذهن الانسان افضل من كل هذه الطبيعة العسفية )) او كما قال …شيء ما متحرك ..مقدس على نحو مادي ..شيء ما لا ينتهي فيه كل شيء …او اي شيء ..يبقى ….ومع ذلك تتكاثر المسوخ حيث ساد الانحطاط …في حضرة الاله …أكل الجميع من وراء ظهر الجميع …من شجرة الشيطان ..ولما افاقوا حملوا السلاح بوجوه بعضهم بعضا …ليقتلوا جميع الالهة ويبقى الشيطان …
عبث …أهذه نسؤولية الانسان الي حملته اياها على الارض ايها الفيلسوف العظيم ؟؟ هو هو طاهر او مسخ …بسبب من دوافعه وصور من خيالاته …/ ادراكاته …يسعى للامام / يرتقي …ثم ينحط بالحرب ومص الدماء اكراما لله او تمردا عليه مسيس …منذ الاله الاول : القمر …وظل كذلك بعد أفول القمر وغياب الشمس …ورغم نتيشة وديكارت وماركس …. منذ اعطى الله الارض لنسل آدم …هذا الوجه قبيح ومع ذلك يمشي بثقة اعلى من ثقتي بنفسي انا صاحب الوجه الــ…… اي ملامح لوجهي ؟؟؟ مليح ام قبيح ..؟؟؟ هذه التساؤلات للنساء …هذه مثلا يهمها جدا ان تكون جميلة …وهي كذلك …ولذلك فهي شديدة الثقة بالنفس ايضا …قوام جميل …كلهم ينظرون …يلفون اعناقهم …بوقاحة …يؤشرون بها على درجة الكبت : كبت ميتر : 180 درجة = كبت كامل …السير برأس مقلوب أكمل ….وذلك حسب المسافة المقطوعة حتى الاصطدام بشخص او جدار او سيارة حتى الموت …حيث الكبت المطلق ….اقطع …السيارات تسير ببطء …يوسع خطوته على مداها ..تمر …تمام ..لا يلتفت للوراء …الكتب اياها على الرصيف ..من هنا اشتريت قصة حميدة نعنع ” الوطن في العينين ” كم فاجأتني …ففاجأت بها الفتى حسن …قرأناها معا في القطار …عندما جاء ليدرس هنا …آه لو يعود زمن الكرز …تلك كانت اللازمة …رفقة جميلة كانت ….لان من النادر ان تجد صديقا يتقارب احساسه بالظواهر من احساسك …حسن يكاد احساسه يتقارب …متفجر …ولكن الوقت في القطار لم يكن كافيا ..وكان الوقت ليلا والجو ماطرا قطع فيه التيار الكهربائي …اعتقدنا ان هذه واحدة اخرى من المؤامرات التي تستهدفنا …وتهدف الى بتر متعتنا العظيمة بالقراءة …وتفويت الفرصة على تحقيق هدفنا في الوصول الى نهاية الرواية / القصيدة ولكننا كنا اقوى …اذ بحثنا عن الشموع لنشتريها ونكمل قراءة الرواية في الفندق الذي نزلنا فيه على عجل دون ان يكون لنا شرط او جدال ….
يتنهد …يدور لليسار ويتابع سيره على الرصيف …وجوه تلتصق بنظرك ثم تغيب …رؤوس تدخل من خلفك الى امامك وتبتعد ولا تعرف الى اين تذهب …ولماذا تعرف .,…وما شانك انت ةما علاقتك بأي منها …واجهات من الزجاج لا علاقة لها بصدر ماريانا لوركا …” لو كان صدري من زجاج لرأيت دموع من الدم تتساقط على نافذته ” لمريم ربما علاقة …وجه مريم الحزين …وجه ماريانا بالخيال …متطابقان …طبعا وجوه الهة الحزن تتطابق …هذه ايضا حزينة …اقطع …تقطع …تقترب …رائحتها ندية …هاقلبها طري …لكن قلبي يهوي مفسحا اليها المكان …لما لا اشكو اليها العالم …اشكو اليها اطوار مريم الغريبة …يلتفت خلفه …تلتفت …وتعود فتدير وجهها ليس بحياد ..ولكنه لا يحمل اية رسالة ايضا …لم لا استطيع التحدث معها …هل انتهك عرضها لو طلبت منها التحدث ؟؟…قد لا تمانع …ولكنها تخاف من الحصار …حصار البشر المخيف …كلهم اعدائي ..دفشة …يهتز جسمه يختل توازنه …آي …عفوا …أي عفو ؟؟ واحدة بواحدة ..لكن صدمتك بهؤلاء لم تكن بهذه القوة …احمد ربك …على الاقل طلب منك العفو …غيره يصدمك ثم يزجرك بنظرة تسحقك …ماذا تريد ؟ بلط البحر ؟؟ كلهم اعداؤك ام كلهم احبابك …هذا الذي يسره الرب …وهذا طينك يا الله …ليس من هنا نشتري منّ السما …
لماذا اتخذت حياة الانسان في نهاية المطاف هذا الشكل …ركض ..ركض …ماهي الغاية النهائية من كل هذا ..انا عارف! صوت عبدالحليم يلعلع …استهلاك ..حتى الكلمات الجميلة تلفت …كالعلكة في الفم …هو العهر سيد الحياة القحبة …روائح ..ابواب …حديد ..المـ…نيوم ..الم,نيوم ..حلوة هذه …حد …يد …حد,ايد ..اللغة لعبة عبقرية ..مليئة بالطاقة ..ولكن من يستثمرها ..يا زلمة ليش متعب حالك ..ليش تحمل السلم بالعرض ..شو بدك ؟ هي الحياة كما هي …لن تكون افضل مما هي عليه ..ولن تكون اسوأ مما هي عليه ..هي الحياة يا ابن الحلال …ههههههههه..اما لغز المجتمع البشري فسيظل كذلك مهما كان من نضال ومهما كانت من خيانات ,البشر,غنم ,النخبة فقط ترتقي فوق ذلك بقليل …النخبة في التجارة ..النخبة في العلوم ..النخبة في الادارة .. النخبة في السلطة ..لكن الـ…يلعن ابوك شو مسرع !!! منظور للشارع الطويل سيارات …اسلاك كهرباء ..ابنية ترتفع ..تتلاقى في النهاية ..اسماء محلات كبيرة ..ابن الكلب ,طاير …ايه , آه , لكن الظروف تلعب دورا كبيرا في مساعدة هؤلاء ….اضافة طبعا الى تركيبتهم العقلية والنفسية و…و…, لكنهم يجروننا من اعناقنا بسلاسل غليظة …لها بريق ذهب يأتي من بعيد…ولا حيلة لنا الا ان نلهث ..سسس اخت هالحالة …مش معقول …لوكانت هنا لنتناقش …ذهني يغلي ..فيه طبيخ عجيب ..ماهو المطلوب مني اكثر من ذلك ..سسس اختها هي الثانية …اذا امبارح وصلنا الى كل شيء واتفقنا بوضوح سسسسسس……..
تقترب الحافلة حتى تغطي الفضاء …فليس امامنا الا الصعود او الصمود …باكيتات الحلاوة بالجبن هذه ثقيلة ..مزعجة …لكن غير موجودة الا هنا …الوالدة تحبهها ..تموت عليها …سيمحو فرحها كل التعب …الخيوط المتقاطعة تشد اصابعه للاسفل بقوة …تحفر فيها اخاديد حمراء ..كتل بشرية تلقم نفسها لوحش الحديد الهائل ..ببطء شديد جدا يصعدون …يلتصق لسانه في سقف حلقه ويجف ..يحس اصابعه تتقطع …يراقب الصاعدين امامه ..يسمع صوت الاقدام على عتبات الحافلة …يتحرك الطابور كالافعى ….وصوت الالة الاوتوماتيكية تقضم البطاقات …امامي اربعة , صوت ضحك الشباب المتفائل ….صوت الاسئلة والاجوبة …صوت ثرثرة الراكبين قبلنا …ثلاثة ..عيونهم تتابع الداخلين وترميهم بنظرات متقاربة لا معنى لها ..كما لوكانت ترشهم بخراطيم المياه …اثنان …لكنهم لا يبالون ..وانا اقاوم كل شيء بتيار الافكار هذا ..تيار عارم …كيف يمكن السيطرة عليه والاحتفاظ به في الذاكرة ليدون في الرواية بأمانة …واحد فقط ..وانا …ينظر نحو المقاعد علّه يجد مقعدا فارغا …
حبيب ..تحرك شوية …ملامح هذا السائق ولهجته ايضا نموذج لنمط ما …تدرك لأول وهلة جوانب كثيرة من شخصيته …حاد ..عصبي …يأخذ البطاقة ويجعلها بين اصابعه وبين خيطان الحلوى ,…ولكن الفن لا يحتا